فخر الدين الرازي
414
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
مرجحاً لوجودها على عدمها ، وذلك لأنا إنما نعلم وجوده سبحانه بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه ، فإذا دل الدليل على أن هذا العالم المحسوس ممكن الوجود والعدم لذاته ، قضى العقل بافتقاره إلى مرجح يرجح وجوده على عدمه ، وذلك المرجح ليس إلا اللَّه سبحانه ، فثبت أن أول ما يعلم منه تعالى هو كونه مرجحاً ومؤثراً ، ثم نقول ذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة والأول باطل ، وإلا لدام العالم بدوامه ، وذلك باطل ، فبقي أنه إنما رجح على سبيل الصحة وكونه مرجحاً على سبيل الصحة ، ليس إلا كونه تعالى قادراً ، فثبت أن المعلوم منه بعد العلم بكونه مرجحاً ، هو كونه / قادراً . ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً ، ثم إنا إذا علمنا كونه تعالى قادراً عالماً ، وعلمنا أن العالم القادر يمتنع أن يكون إلا حياً ، علمنا من كونه قادراً عالماً ، كونه حياً . فظهر بهذا أنه ليس العلم بصفاته تعالى وبأسمائه واقعاً في درجة واحدة ، بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض . المسألة الثانية : قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يفيد الحصر ، ومعناه أن الأسماء الحسنى ليست إلا للَّه تعالى ، والبرهان العقلي قد يدل على صحة هذا المعنى ، وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته ، وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الواحد وهو اللَّه سبحانه ، وأما ما سوى ذلك الواحد ، فهو ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته ، فهو محتاج في ماهيته وفي وجوده وفي جميع صفاته الحقيقة والإضافية والسلبية إلى تكوين الواجب لذاته ، ولولاه لبقي على العدم المحض والسلب الصرف ، فاللَّه سبحانه كامل لذاته ، وكمال كل ما سواه فهو حاصل بجوده وإحسانه ، فكل كمال وجلال وشرف ، فهو له سبحانه بذاته ولذاته وفي ذاته ، ولغيره على سبيل العارية ، والذي لغيره من ذاته ، فهو الفقر والحاجة والنقصان والعدم ، فثبت بهذا البرهان البين أن الأسماء الحسنى ليست إلا للَّه ، والصفات الحسنى ليست إلا للَّه ، وأن كل ما سواه ، فهو غرق في بحر الفناء والنقصان . المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن أسماء اللَّه ليست إلا للَّه ، والصفات الحسنى ليست إلا للَّه ، فيجب كونها موصوفة بالحسن والكمال فهذا يفيد أن كل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على اللَّه سبحانه ، وعند هذا نقل عن جهم بن صفوان أنه قال : لا أطلق على ذات اللَّه تعالى اسم الشيء . قال : لأن اسم الشيء يقع على أخس الأشياء وأكثرها حقارة وأبعدها عن درجات الشرف ، وإذا كان كذلك وجب القطع بأنه لا يفيد في المسمى شرفًا ورتبة وجلالة . وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بمقتضى هذه الآية أن أسماء اللَّه يجب أن تكون دالة على الشرف والكمال ، وثبت أن اسم الشيء ليس كذلك فامتنع تسمية اللَّه بكونه شيئاً . قال ومعاذ اللَّه أن يكون هذا نزاعاً في كونه في نفسه حقيقة وذاتاً وموجوداً ، إنما النزاع وقع في محض اللفظ ، وهو أنه هل يصح تسميته بهذا اللفظ أم لا ؟ فأما قولنا إنه منشئ الأشياء ، فهو اسم يفيد المدح والجلال والشرف ، فكان إطلاق هذا الاسم على اللَّه حقاً ، ثم أكد هذه الحجة بأنواع أخر من الدلائل . فالأول : قوله تعلى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] معناه ليس مثل مثله شيء ، ولا شك أن عين الشيء مثل لمثل / نفسه . فلما ثبت بالعقل أن كل شيء فهو مثل مثل نفسه ، ودل الدليل القرآني على أن مثل مثل اللَّه ليس بشيء ، كان هذا تصريحاً بأنه تعالى غير مسمى باسم الشيء ، وليس لقائل أن يقول « الكاف » في قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ حرف زائد لا فائدة فيه ، لأن حمل كلام اللَّه على اللغو والعبث وعدم الفائدة بعيد .